تخوض المخرجة التونسية خديجة المكشر تجربتها الأولى في الفيلم الروائي الطويل من خلال «نوار عشية»، عمل سينمائي يفتح نافذة حسّاسة على عالم الشباب في الأحياء الشعبية، ويقارب بأسلوب شاعري واقعي أسئلة الطموح، والخيبة، والهجرة، والبحث عن معنى داخل وطن يضيق بأحلام أبنائه.
يدور الفيلم في أحد الأحياء المهمّشة بالعاصمة تونس، حيث نتابع حكاية دجو، المشرف على قاعة ملاكمة قديمة مهدّدة بالإغلاق، والذي يجد في الشاب يحيى موهبة رياضية استثنائية قد تكون طوق نجاة له وللقاعة معًا. غير أنّ هذا الأمل يصطدم بحلم آخر يسكن الشاب، يتمثّل في الهجرة غير النظامية، باعتبارها الطريق الأقصر نحو مستقبل أفضل، ولو كان محفوفًا بالمخاطر.
لا يكتفي «نوار عشية» بسرد قصة فردية، بل يرسم لوحة أوسع لواقع اجتماعي واقتصادي ضاغط، حيث تتقاطع الأحلام الشخصية مع انسداد الآفاق. وتنجح خديجة المكشر في تقديم معالجة إنسانية هادئة، بعيدة عن الخطاب المباشر أو الإدانة، مكتفية بترك الكاميرا تلتقط التفاصيل الصغيرة: الوجوه، الصمت، الأماكن، والانتظارات الطويلة.
يحمل عنوان الفيلم بعدًا رمزيًا لافتًا؛ فـ**«نوار عشية»** هي زهور تتفتح عند المساء وتذبل سريعًا، في استعارة بليغة لأحلام الشباب التي تولد جميلة ومضيئة، لكنها غالبًا ما تصطدم بواقع قاسٍ يطفئها قبل اكتمالها. هذه الرمزية تنعكس على الإيقاع البصري للفيلم، وعلى اختياراته الجمالية التي تميل إلى الواقعية الشعرية.
يمثّل الفيلم محطة مهمّة في مسار خديجة المكشر، التي راكمت تجربة معتبرة في السينما القصيرة والإنتاج، ليأتي هذا العمل الطويل تتويجًا لمسارها وبداية لمرحلة جديدة، تؤكد من خلالها حضور صوت نسائي تونسي يشتغل على قضايا اجتماعية راهنة بحس فني ناضج.







