بقلم آدم شي جينغ
وُلد بهاء رضوان في سوريا عام 1985، ووصل إلى الصين في عام 2013. ومنذ ذلك الحين، أسس عائلة وبدأ مسيرته المهنية، ليعتبر الصين تدريجياً وطنًا ثانيًا له. على مدار أكثر من عقد من الزمن، تحوّل من موظف في مطعم عربي إلى مؤسس لمطعمين سوريين شهيرين في بكين، كما يوسع أعماله إلى مدينة شنتشن. بنى جسراً للتبادل الثقافي بين البلدين بنكهات وطنه، ووجد سعادته في حياته اليومية. أصبح مطعمه “BRBR” في حي ووداوكو ببكين علامة فارقة في المدينة، حيث يلقبه زبائنه بـ”مكتب تمثيل المطبخ السوري في بكين”.
واجه بهاء في البداية العديد من التحديات في اللغة والثقافة والعمل. لكنه التقى وقتها بزوجته المنحدرة من شمال شرقي الصين، فتخطى القلبان الصادقان حدود الوطن ووقعا في الحب. أصبحت زوجته من أقوى داعميه رغم الصعوبات في بداية عمله، ودعمته في كل خطوة على طريق تحقيق أحلامه.
تذكر بهاء بصوتٍ هادئ: ” اسمي بهاء رضوان من سوريا. من موليد 1985، عمري 41 سنة. جئت على الصين بـ 2013، جئت على الصين بالشغل، الشغل بمطعم عربي. بعدين قعدت بالمطعم العربي هذا الأحد 2018، بـ2018 طلعت، أتزوجت.
في خضم انتقاله من موظفٍ إلى رائد أعمال، تعرّف بهاء تدريجيًا على سوق المطاعم في الصين، وفهم تفضيلات الزبائن الشباب، فيما أصبحت أجواء الحياة اليومية في الحي الجامعي نقطة انطلاق مبشرة ومُلهمة لرحلته الريادية.
واصل بهاء استرجاع ذكرياته قائلاً: “وبعدين انتقلت من مطعم هذا على مطعم أكبر كمان من منطقة الجامعات وبدأنا بشغل فلاقينا هنا تقبل الأكل تبعنا من الشعب الصيني حبوه وشجعونا أن نفتح فرع ثاني وهلق الحمد لله في وصلنا على المستوى هذا.”
تُعد الشاورما والفلافل من أشهر مأكولات الشارع في سوريا، ولذلك أصبحا مفتاحه لفتح شهية الزبائن الصينيين. في بداية مشروعه، دمج مع زوجته الحرفين الأولين من اسميهما باللغة الإنجليزية ليختارا اسم “بي آر بي أر”(BRBR) للمطعم. هذه الكلمة الإبداعية ليست مجرد اسم للمكان، بل شهادة حية على قصة حبهما التي تخطت الحدود، وطموحاتهما الصادقة التي ربطت بينهما في رحلة مشتركة نحو النجاح.
تتميز الشاورما بلحم طري وصلصة فريدة بعد تعديل النكهة بأسلوب دمشقي، أما الفلافل، فهي مقرمشة من الخارج وطريّة من الداخل. تحمل هاتان النكهتان ذكريات بهاء عن وطنه الأم وأصبحتا أصدق رابطتين مع زبائنه.
تذكرت زوجته بحنان قائلة: “وقتها، كنتُ لا أزال أعمل، لكني كنت أذهب يومياً إلى مطعمه لمساعدته بعد الدوام. ودائماً ما كنتُ أراه غارقا في أعمال التجديد وهو مغطى بالغبار والأوساخ: يدهن الجدران أحيانا، ويدق المسامير أحيانا أخرى. ونظرا لتعذّر معرفته بمصادر المواد والأدوات اللازمة، علمته كيفية استخدام تطبيقات التسوق الصينية، وساعدتُه في العثور على مختلف الموردين. وقضيتُ تلك الفترة بالعمل نهاراً ومساعدته مساءا.
حرص بهاء منذ بداية مسيرته الريادية على أدق التفاصيل رغم مشقة المهمة وصعوبة التحديات. لكن دعم وتفاني زوجته المستمر ألهم بهاء الشجاعة لمواجهة الصعوبات.”
تابعت زوجته حديثها برقة: “بعدها، افتتحنا أول فرع رئيسي في منطقة ووداوكو. ومع ازدياد العمل في المطعم، استقلت من عملي وتفرغت بالكامل لإدارة المطعم. ساعدتُه في تسهيل التواصل مع موظفينا الصينيين، وتبسيط العمل ليصبح أكثر تنظيمًا. كما طورت كتيباً صغيرا بالتعاون مع فريقنا استنادًا إلى فهمي للثقافة السورية وأطعمتها، بهدف توجيه الزبائن حول كيفية الاستمتاع بأطباقنا. كان هدفنا أن يشعر كل زبون بالراحة وأن يغادر مبتسمًا.”
تمثلت رؤية بهاء الأصلية في جلب النكهات الأكثر أصالة وصدقا من سوريا إلى الصين. فاختار افتتاح مطعمه في منطقة جامعية، وجعل الأسعار في متناول الجميع، ليقدم طعامًا يُشعر الطلاب الأجانب بالحنين إلى وطنهم، وفي الوقت نفسه يتيح للأصدقاء الصينيين فرصة التعرف على ثقافة طهي مختلفة. تشتهر دمشق بلقب “عاصمة الشاورما”، ولذا يظل بهاء متمسكًا بأساليب التحضير التقليدية باستخدام المكونات المحلية الأصلية وخلطة التوابل السرية، ليعيد خلق النكهات السورية الأصيلة بدقة وأمانة.
استذكر بهاء مبتسماً: “أنا مش طباخ ولكن يعني بعرف أطبخ شوي، أكلي نفسي على الأكل طيب شوي، فكنت أدعي بعض أصدقائي على البيت، هم الطلاب يدرسون بالجامعات ببكين، فنصحوني كثير أنه نعمل مطعم يعني بها النكهات بناكلها بالعادي بسوريا.”
أشعلت تلك الوجبة منزلية والنصيحة الصادقة شرارة حلم بهاء في ريادة الأعمال، فاستمر في التمسك بأسعار معقولة ومقبولة، ليتمكن المزيد من الناس من تذوق الأطعمة السورية والتعود عليها.
قال بهاء بصدق: اقتنعت بهذه الفكرة، كمان خاصة منطقة الطلاب يكون الأكل كويس بالنسبة للطلاب خاصة للعرب والسوريين والأجانب هناك، وبأسعار مناسبة كمان بالنسبة للطلاب.
كان أغلب الزبائن من الأجانب، لكن أعداد زواره من الزبائن الصينيين تزايدت مع مرور الوقت بفضل سمعته الطيبة، ما عزز عزمه في توسيع أعماله وفتح فرع جديد.
علق بهاء بنبرةٍ مليئةٍ بالحنين: “لما عملنا المطعم الثاني، المطعم الثاني ببكين، بالأول بعدين صار للشعب الصيني،
يُعد تقدير الزبائن أكبر حافز لبهاء للمحافظة على جودة طعامه. ولتحسين تجربة الزبائن، قرر توسيع مطعمه مع الالتزام بصرامة بمعاييره العالية في النكهة والخدمة.
قال بهاء بحزم:”خفف قليلاً من الزحمة، نخفف قليلاً من الانتظار للعالم. فبدأنا أن نوسع المطعم أكثر، نعمل أفرع أكثر. والحمد لله يعني أنه ظللنا حقاً على نفس المستوى، نفس مستوى الأكل، نفس مستوى الخدمة. مع أنه كانت البدايات كثير صعبة، ولكن حاولنا أنه قدر الإمكان أنه يعني أكثر عدد ممكن للعالم أن تذوق الأكل تبعنا وتجرب الأكل تبعنا.”
يلتزم بهاء بالصدق والود والعناية الدقيقة في إدارته، حيث يعامل موظفيه كأفراد من عائلته وزبائنه كأصدقاء، ما يضفي جوًا دافئًا على المطعم.
يانغ كانغ يو من أقدم الموظفين في المطعم، وقد شهد نموه وتطوره المستمرين .قال يانغ كانغ يو بصدق: “أعرف صاحب المطعم منذ سنوات طويلة، ودائمًا ما كان يعامل الناس بصدق ولطف. عملت تحت إشرافه طوال هذه الفترة وتعلمت منه الكثير. كما أن فلسفة المطعم، التي تتمثل في الصدق واللطف والدقة، جعلتني أدرك أن المعاملة الطيبة والصدق مع الآخرين أهم من أي شيء آخر. أشعر بفخر وسعادة كبيرة للعمل معه في هذا المطعم الدافئ.”
يسعى بهاء إلى إعادة تجسيد الطراز السوري الأصيل بكل أمانة في جميع زوايا مطعمه، حيث تبرز عناصر الثقافة السورية في كل ركن من الأركان، مثل تدرجات ألوان الأحجار، واللمسات الخشبية، ووحدات الإضاءة النحاسية. ورغم التحديات التي واجهها في بلاده بسبب الحرب، بذل جهدًا كبيرًا لجمع الأواني وأدوات المائدة التقليدية، ليحوّل مطعمه إلى وجهة يلتقي فيها الزبائن الأجانب، ونافذة صغيرة للتعريف بثقافة بلاده.
استرجع بهاء ذكرياته بمودة قائلاً: “ديكورات المطاعم ديكور المطاعم بدأت فيه إنه بدي أحاول أوصل هيك صورة صغيرة عن… عن البيوت الشامية، البيوت السورية كيف شكلها. فطبعاً فيه أشياء كثير صعبة؛ صعبة إنه نجيبها من سوريا حكم كانت فترة، فترة الحرب بسوريا، فكان هيك إنه الاستيراد من سوريا كان كثير صعب. فحاولت إنه بقدر الإمكان إنه بأشياء من هون إنه نقدر نعمل ونوصل هالصورة هاي، هالديكور هذا.
فتبدأ هيك بالألوان. المطاعم عنا، يعني بسوريا، إنه منعتمد ثلاث ألوان للحجارة للبناء: الأسود أو الرمادي مع البني واللون البيج، الأوف وايت. فهي الألوان، هي الألوان هيك بسوريا منعتمدها كثير، منعتمدها كثير بالبناء. فحاولت إنه هون هيك، من قدر الإمكان، إنه نعتمد على هالألوان هاي، والخشب الطبيعي كمان. بوجود الخشب الطبيعي كمان، الخشب الطبيعي بالمطعم، بالبيوت السورية كمان، بالإضافة للنحاس للإنارة و للخزفيات كمان.
قال بهاء بجدية:”في بعض الخزافيات كنا نجيهم من سوريا، بس يعني عن طريق أصدقاء جايين فيجيبوا لي شوية خزافيات صغار أو دل القهوة أو أبريق شاي. أنا لما أنزل على سوريا كمان كنت أنزل بشنط فاضي وعبيها شنط هاي لما أرجع عبيها بس صناديق وخزافيات.
من بين زبائن المطعم، هناك العديد من الزبائن الصينيين الذين يترددون بشكل مستمر، إلى جانب الزبائن العرب الذين يأتون لتذوق طعم وطنهم. السيدة هان، وهي إحدى الزبائن الدائمين، عبرت عن إعجابها بصدق قائلة:
“كنتُ قد عملتُ لفترة في العالم العربي، وعندما عدتُ إلى الصين كنتُ أفتقد بشدة المأكولات هناك. وعندما أخبرني صديقي عن هذا المطعم السوري، قررتُ أن أزوره. أطباقهم أصيلة جداً، وما أعجبني أكثر هو حبهم للثقافة العربية واهتمامهم بنشرها، ما يساعد الناس على التعرف على تاريخ العرب وثقافتهم، بينما يجذب عددا كبيرا من الزبائن إليهم. أتمنى أن يحقق مطعمهم المزيد من النجاح والازدهار.”
من منطقة ووداوكو إلى مركز التسوق “سولانا”، شهدت أعمال بهاء تطوراً ملحوظاً. عشق بهاء للبحر جذبه إلى مدينة شنتشن الساحلية حيث الانفتاح والحيوية. يخطط حالياً لافتتاح فرع جديد فيها، ليقدم النكهات السورية الأصيلة للأصدقاء هناك، ما يوفر الفرصة لمزيد من الأشخاص لاكتشاف سحر الثقافة الغذائية في الصين وسوريا.
قال بهاء بتفاؤل: “حالياً نعمل فرع ثاني للمطعم بمدينة تشنجن، مدينة تشنجن للصراحة روحت لأول مرة من قبل ستة شهور فقط، بس من أول مرة بروح لمدينة تشنجن فحبيت المدينة كثير. هي مدينة تكنولوجيا بالصين، فالمدينة جميلة جداً، المدينة كثير حلوة، ومدينة ساحلية، أنا من عشاق للساحل ومن عشاق البحر،
يأمل بهاء في استخدام الطعام كوسيلة لبناء جسر يساعد على نشر الثقافة السورية وجعلها أكثر شهرة وحبًا لدى الجميع.
قال بهاء بثقة: “كمان لعدة أسباب انه في افتقار كثير للأكل العربي بشنجن، حبيت انه وصل رسالتي بالأكل العربي وبالأكل السوري حصراً لأكثر الأماكن فيها عليها.
أمضى بهاء أكثر من عقد من الزمن في الصين واتخذها وطنًا حقيقيًا له حيث حصل على تصريح الإقامة الدائمة في الصين وأسس عائلة سعيدة وحقق مسيرة مهنية مليئة بالإنجازات. كما حظي بمحبة وود الشعب الصيني، ما عزز إيمانه العميق بأن لغة الطعام لا تعرف حدودا، وانها تعزز التفاهم بين الثقافات وتجعل العلاقات الإنسانية أكثر دفئًا وودًا.
قال بهاء بتأثرٍ عميق: “بالأخير، حابب هيك إنه أتشكر الفرصة التي أجتني هيك وخلّتني إنه أجي على الصين، أجي على الصين، على هذا البلد العظيم. فعلاً إنه الصين هي بلد عظيم جداً بكل بكل بكل المقاييس، والأعظم العظمة العظمة بالصين هو عظمة شعبه، شعب الصين. الشعب الترحاب اللي شفناه هون بالشعب الصيني، والأخلاق اللي عندن، الترحاب الضيافي… التشجيع. فكانت، فكانت، كانت كثير إنه ما حسّيت حالي إلا ببلدي.”
تلخص عبارة “أشعر وكأنني في بلدي تمامًا” إحساس بهاء العميق بالانتماء الذي يشعر به تجاه الصين.
قال بهاء بصدق: “يعني صارت يمكن الصين بالنسبة لي هي البلدي الأول، هي بلدي الأول قبل سوري، بشكر بشكر جميع.”
كتب بهاء قصة نجاحه من بكين إلى شنتشن، حيث يجمع في كل طبق يقدمه بين حلمه وحبه، كما حوّل حنينه لوطنه إلى عبيرٍ ينبعث من الأطباق التي تعكس أصالته وشغفه، ويساهم مطعمه في تعزيز الصداقة بين الصين وسوريا. جاء بهاء من بلد بعيد، واستقر في الصين التي باتت وطنه الثاني.










