(تونس) – مئات المرضى على قائمة انتظار الموت..لهذا السبب..

16 أكتوبر 2017 - 10:01 م

تونس-الاخبارية-وطنية-صحة-رصد

يسبق الموت، سنويا في تونس، المئات من المرضى المرسمين على قائمة الانتظار قبل الحصول على عضو ينقذ حياتهم، ويريح عائلاتهم، ويضع عن كاهل المجموعة الوطنية أعباء عمليات غسل الكلى والعناية بمرضى القصور الكلوي التي تصل نسبتها إلى 6 بالمائة من ميزانية وزارة الصحة، وذلك بسبب نقص عدد المتبرعين من الموتى دماغيا، وارتفاع نسبة الاعتراض لدى العائلات.

ورغم تراجع هذا الاعتراض مقارنة بسنة 2012 إذ كانت نسبة اعتراض العائلة تقدر ب 96 بالمائة، لتنخفض إلى 69 بالمائة سنة 2016، إلا أنها تبقى مع ذلك مرتفعة خصوصا وأن التبرع هو عمل نبيل ومصدر للحياة لآلاف المرضى. والتبرع بالاعضاء بعد الوفاة يساهم، حسب أهل الاختصاص، في إنقاذ حياة الآلاف من البشر إلا أن هذه الخطوة تتطلب وعيا كبيرا من العائلات التي تبقى هي صاحبة القرار الأخير، إذ تواجه صعوبة كبرى في اتخاذ قرار بمنح عضو من أعضاء عزيز عليها بعد وفاته .

ويفيد المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء في تونس، أنّ نحو 10 آلاف شخص يعانون من قصور كلوي يستدعي زرعاً، 1500 منهم على قائمة أولويّة نظراً إلى تدهور حالاتهم الصحية. ويتم سنويا زرع ما بين 90 و130 كلية، 81 بالمائة منها من متبرع حي. كما ينتظر 1300 مريض الحصول على قرنيّة، فيما يأمل نحو 100 شخص بزرع كبد سنوياً. أمّا المرضى الذين تقتضي حالتهم زرع قلب، فعددهم نحو 20 مريضاً سنوياً، يتوفى معظمهم أثناء الانتظار، علما وأنّ آخر عمليّة زرع قلب أجريت في تونس كانت في عام 2004.

وأرجع المختصون ضعف نسق أخذ وزرع الاعضاء في تونس إلى ارتفاع نسبة اعتراض العائلة الذي يعود أساسا، بحسب تقديرهم، إلى قلة التحسيس بأهمية التبرع بالأعضاء، إضافة الى الافكار الخاطئة والمغلوطة عن التبرع بالاعضاء التي يحملها التونسيون، رغم أن القانون التونسي في هذا المجال صارم جدا وواضح ويمنع منعا باتا أخذ أي عضو حيوي إلا بعد التأكد بما لا يدع مجالا للشك من الموت الدماغي للمتبرع، وأنه تم استنفاد كل الوسائل الممكنة والكفيلة بانقاذ المتبرع.

كما أن عدم معرفة ووعي التونسي بمفهوم الموت الدماغي يعيق بدرجة كبيرة عملية التبرع حيث يصبح من الصعب اقناع العائلة الواقعة تحت تاثير الصدمة بان الحالة هي فعلا حالة وفاة .

وأوضح المختصون أن الموت الدماغي هو “الهلاك الكامل والنهائي لكل خلايا الدماغ، ويمكن من خلال التنفس الاصطناعي وتقنيات إنعاش القلب وبفعل بعض الادوية والاجهزة، إبقاء بعض الاعضاء نابضة وقابلة للاخذ والزرع لساعات محدودة، وهي خطوة أولى في نجاح زرع أو نقل أعضاء من أموات إلى أحياء”، كما أنها تجعل العائلة تعتقد أن مريضها لا يزال على قيد الحياة.

وتبلغ حالات الموت الدماغي في تونس حوالي 600 حالة من ضمن 66 ألف حالة وفاة في العام، وهو ما يؤكد مدى تراجع عنصر ثقة التونسي في عمليات التبرع خاصة إذا علمنا أن حالات التبرع من الشخص المتوفى لا تتجاوز 3 حالات.

وجدير بالاشارة إلى أن عمليات أخذ الاعضاء وزرعها في تونس تخضع لأطر قانونية وترتيبية على غرار القانون عدد 22 لسنة 1991 المتعلق بأخذ الأعضاء البشرية وزرعها. ويعد هذا النص التشريعي من أبرز الآليات الداعمة، إذ يشدد على أن يكون المتبرع في مقام حياته راشدًا وسليم المدارك العقلية يعبر عن رضاه صراحة مع الاحتفاظ بحقه في التراجع عن قراره في كل وقت قبل إجراء أي عملية. وتكون عمليات أخذ الأعضاء وزرعها مجانية لا مقابل مالي لها. كما تحجر كل أنواع المتاجرة بها ويعاقب عليها القانون بالسجن وبعقوبات أخرى .

كما أن القانون عدد 18 لسنة 1999 المتعلق بتنقيح، وإتمام القانون عدد 27 لسنة 1993 المتعلق ببطاقة التعريف الوطنية، يشير إلى أنه يحق بمقتضى هذا التنقيح لكل مواطن تونسي، التنصيص على رغبته في التبرع بعد الوفاة من خلال إدراج عبارة متبرع ببطاقة الهوية.

وحسب أصحاب الاختصاص فمتبرع واحد من الموتى دماغيا يمكنه أن يكون مصدرا للحياة لخمسة مرضى آخرين، إثر زرع الأعضاء. كما أن توفير الاعضاء المأخوذة من شخص متوفى دماغيا تعطي حظوظا أكبر للزرع بالنسبة إلى مرضى القصور الكلوي المزمن النهائي، وقصور الكبد النهائي الذين لا يمكن معالجتهم بزرع عضو من متبرع حيّ خصوصا في صورة عدم وجود متبرع حيّ متوافق مع حالتهم الصحية. ولفتت رفيقة باردي أستاذة في علم المناعة بكلية الطب بتونس والمديرة العامة للمركز الوطني للنهوض بزراعة الأعضاء، إلى أن زراعة الأعضاء في تونس تعتمد على المتبرعين الأحياء، مما يقلل من فرص التبرع بالأعضاء الحيوية التي لا يمكن أخذها سوى من متبرع متوفى.

وقالت إن القانون التونسي ينظّم عمليّة التبرّع بالأعضاء، سواء أكان المتبرّع حياً أم متوفى دماغياً، وتجرى عمليات الاخذ والزرع مجاناً في ستة مستشفيات عمومية، ثلاثة منها في العاصمة وثلاثة أخرى موزّعة في ولايات سوسة وصفاقس والمنستير. ويشرف المركز الوطني للنهوض بزرع الأعضاء على تلك العمليات ويسند الأعضاء إلى مستحقيها وفق معايير عدّة، أبرزها فصيلة الدم ونوع الأنسجة، بالإضافة إلى الأقدميّة على قائمة الانتظار التي يضعها المركز ويتابعها إلكترونياً. كما يشترط أن يكون العضو المتبرّع به سليماً وألا تسجَّل معارضة لاستخدام أعضاء المتوفى دماغياً من قبل عائلته.

وتؤكد الدكتورة باردي على أن المركز يعمل في كنف الوضوح ويسهر على شفافية إسناد الاعضاء للمرضى المرسمين بالسجل، وذلك حسب المعايير التي يقرها المجلس العلمي واللجان المختصة، إضافة إلى التنسيق بين مختلف الفرق الطبية المعنية بأخذ وزرع الأعضاء، “ولا مجال لأي تلاعب في هذا الموضوع”، بحسب تقديرها.

وأشارت الباردي إلى أن العائلات التونسية في أغلبها ترفض التبرّع بالأعضاء، حتى ولو احتاجها أحد أفراد العائلة، مشيرة إلى أن عدد المرسمين في سجلّ التبرّع من الذين أضافوا على بطاقات هويتهم الوطنية عبارة متبرّع، لم يتجاوز 15 آلفا، ويفسر هذا النقص، بحسب تقديرها، إلى ضعف جهود التحسيس في هذا المجال، مشددة على أن التحسيس بأهمية التبرع مسؤولية جماعية تقع على عاتق المركز وكذلك على الجمعيات الناشطة في هذا المجال وعلى وسائل الاعلام.

ودعت، في هذا الاطار، مختلف وسائل الإعلام والمجتمع المدني إلى القيام بحملات التوعية لطمأنة الأسر بأن عملية أخذ الأعضاء وزرعها في تونس تحظى بكل الضمانات القانونية والطبية، وتخضع إلى معايير الشفافية في إسناد الأعضاء إلى مستحقيها، كما أوصت بتسهيل عمليات إدراج صيغة متبرع ببطاقات التعريف من خلال توفير المطبوعات بمراكز الامن وتذكير المواطن بذلك .

واقترحت الدكتورة باردي، في هذا الصدد، سن قانون تكون القاعدة فيه التبرّع بالأعضاء من المتوفين دماغيا والاستثناء أن يكون لأهل المتوفّي الحق في الاعتراض على ذلك، عكس ما يحصل الآن.

من جهته، أفاد الدكتور الطاهر قرقاح رئيس قسم طب الاطفال بمستشفى شارل نيكول، والمختص في زرع الكلى للاطفال، أن زراعة الاعضاء هي وسيلة من وسائل العلاج، وفي بعض الحالات تكون الوسيلة الوحيدة في حالات قصور عضوي نهائي في القلب والكبد والرئتين، إذ يكون المريض في هذه الحالات محكوم عليه بالموت، وتكون عملية الزرع هي الحل الوحيد والممكن ليبقى المريض على قيد الحياة.

وأوضح أن عمليات الأخذ والزرع تتم بصفة مجانية داخل المستشفيات المرخص لها في ذلك (6 مستشفيات 3 بتونس العاصمة و3 موزعة بين سوسة وصفاقس والمنستير)، وتتكفل وزارة الصحة والصناديق الاجتماعية بتغطية كل المصاريف، مشيرا إلى أن كل المستشفيات تتوفر على الاليات والتجهيزات الكاملة للقيام بذلك في احسن الظروف، ويقوم الاطار الطبي وشبه الطبي الذي يشهد له بالكفاءة على مستوى دولي بالتحاليل والاجراءات ما قبل الزرع وعملية الزرع ثم المتابعة بعد زرع العضو .

ولفت الدكتور قرقاح إلى أنه على الرغم من توفر الاطار القانوني والمؤسساتي المنظم، ومن نجاح تونس في مجال زرع الأعضاء منذ عام 1948، ومن توفر الكفاءة الطبية المختصة في التحكم في التقنيات المتطورة لاخذ الاعضاء وزرعها، إلا أن النتائج تبقى دون المطلوب لاسباب عدة على غرار رفض العائلة أخد الأعضاء من قريب متوفى دماغيا، والنقص في التبليغ عن حالات الموت الدماغي.

ولاحظ أن المرأة تكون هي أولى المبادرات بالتبرع بعضو من أعضائها لصالح أبنائها أو زوجها أو أشقائها، كما تكون هي الاولى المعارضة في أخذ عضو من أعضاء أحد المتوفين دماغيا من أسرتها، داعيا، في هذا الاطار، إلى ضرورة التركيز على الحملات التحسيسية ، وخصوصا على إقناع المرأة بمدى أهمية التبرع بالاعضاء في إنقاذ ارواح بشرية أخرى، لأنه “إذا اقتنعت هي بهذا العمل الانساني النبيل تصبح خير مناصر لترسيخ ثقافة التبرع بالاعضاء”، وفق رأيه.

اما الرئيس الشرفي لجمعية المتبرعين، خالد دخيل، فقد دعا بدروه إلى تغيير الاستراتيجية المتبعة اليوم في مجال أخذ الاعضاء وزرعها، بما يساهم في تغيير النظرة المشككة في القطاع، وفي الاطار المشرف عليه، وذلك من خلال تشريك المواطن نفسه في العملية حتى يكون طرفا من الاطراف في هذه الاستراتيجية .

ويتعين، وفق نفس المتحدث، أن يتم في هذه الاستراتيجية الجديدة تشريك باحثين في علم النفس وعلم الاجتماع وانتروبولوجيين وفلاسفة باعتبار الاضافة التي يمكن أن يقدموها للقطاع، مؤكدا أن هذا المجال لا يجب أن يبقى حكرا على الاطار الصحي والطبي.

واعتبر أن العولمة والتغيرات الحاصلة في المجتمع جعلت الاعمال النبيلة محل شك وتشويه، مبينا أنه عند مبادرته بالتبرع باحدى كليتيه خلال السبعينات من القرن الماضي لم تكن تدور بخلده سوى فكرة أنه يمكن أن ياتي يوم يحتاج فيه لعضو ما، ومؤكدا على أن هذا الفكر غاب اليوم عن ثقافة التونسي الذي باتت المصلحة وحدها التي تعنيه.

من جهته قال أستاذ الفقه بالمعهد العالي للحضارة الاسلامية، ابراهيم الشايبي، أنه رغم كل الفتاوى في مجال أخذ الاعضاء وزرعها، ورغم الخدمة الجليلة التي يقدمها القطاع لصالح البشرية إلاّ أنّ عدد المتبرّعين لا يزال مُحتشما بالمقارنة مع الاحتياجات لا سيما بخصوص التبرع في حالات الموت الدماغي.

ولفت إلى أن مفتي الجمهورية السابق، كمال الدين جعيط، كان قد أجاز التبرّع بالأعضاء، لا سيّما نقل عضو من ميّت إلى حيّ تتوقّف حياته على ذلك العضو أو تتوقّف سلامة إحدى وظائفه الأساسية على ذلك، وذلك شريطة موافقة المتوفي المسبقة أو موافقة ورثته بعد موته، وكذلك شريطة موافقة وليّ الأمر إن كان المتوفي مجهول الهوية أو لا ورثة له.

وقال الشايبي إنه رغم جهود الاطارات الطبية وشبه الطبية والجهات الساهرة على تنظيم هذا القطاع من أجل تحويل الآلام إلى آمال فهم يلاقون العديد من المُضايقات بأقوال تثبط العزائم بافتراءات يعمل البعض على إصدارها بختم ديني، ويعمل البعض الآخر على ترويجها بقصد أو بدونه، ما يؤثّر سلبا على قضية التبرّع بالأعضاء، من ذلك اعتبار غرس الأعضاء عنادا لقدر الله، على حد زعمهم.

ويعتبر التشريع التونسي في هذا المجال عصريا وتقدميا، وفق أستاذ الفقه، إذ أنه يحترم حقوق الإنسان الفردية، ولا يتعارض مع مبادئ وقيم الإسلام، وأتاح للتونسيين التعبير عن رغبتهم في التبرع بأعضائهم بعد وفاتهم بالتنصيص على هذا القرار على بطاقة الهوية الوطنية، أو من خلال تسجيل اعتراضهم بسجل الاعتراض بالمستشفيات المرخص لها بعمليات أخذ الاعضاء وزرعها.

وأكد على أن التبرع بالاعضاء يحقق أحد أهم مقاصد الشريعة الاسلامية وهي حفظ النفس، داعيا إلى ضرورة العمل على مزيد النهوض بهذا القطاع والتحسيس به على أوسع الاوجه لتحقيق الطموحات المرجوة والاستجابة لانتظارات المئات من المرضى المنتظرين لا سيما خلال التبليغ عن موت دماغي، مبرزا أن فضل التبرع يبقى، وفق تعاليم الاسلام، “صدقة جارية” حتى بعد وفاة الانسان.

وات


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *