فيصل البعطوط يكتب : عطل في تروس تونس..

15 أكتوبر 2017 - 1:48 م

تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد
نشر الكاتب والاعلامي التونسي فيصل البعطوط المقال التالي على اعمدة صحيفة “العرب” القطرية:

إلى حد بضعة شهور مضت، كان التونسيون يعيشون عسراً نفسانياً يعلمون أسبابه بالجملة وليس بالتفصيل.. إلا أنهم أصبحوا يعيشون هذه الأيام عسراً مادياً يلمسونه في الأكلة الشعبية الأشهر «الشكشوكة» أو في السلطة التي أصبحت تكلفهم 3 دولارات، تأسيساً على أن كيلوجراماً من الطماطم وصل إلى سعر الدولار ونصف تقريباً، وهو بالضبط الأمر الذي دفع بنسبة التشاؤم لدى التونسيين لتتجاوز 75,4 بالمائة -حسب البارومتر السياسي لشهر أكتوبر الذي أعدته مؤسسة سيغما كونساي بالتعاون مع صحيفة المغرب- وهي ثاني أرفع نسبة منذ تولي يوسف الشاهد رئاسة الحكومة وثالث أرفع نسبة منذ يناير 2015، ولعلها الأرفع والأعلى بعد سبع سنوات على «الثورة».
من الطبيعي إذاً أن ترتفع وتيرة الجريمة -كماً ونوعاً- وأن تزداد أعداد الراغبين في الهجرة السرية.. أولئك الحالمون بـ «جنة الشمال» هرباً من «جحيم الجنوب». ومن الطبيعي أن تجد الحكومة التونسية والمعارضة نفسيهما في الورطة نفسها. مع فارق أن الأولى تقترح زيادات جبائية مجحفة في موازنة سنة الضنك 2018، فيما الثانية تقترح الاستعاضة عن العطور الفاخرة والماكياج المستورد بـ «السواك» و «الحرقوس»، وما إلى ذلك من أدوات الزينة التقليدية التي كانت تعتمدها جدات ستينات القرن الماضي للضغط على المديونية الخارجية، كما نصح زعيم اليسار التونسي حمة الهمامي في تصريح تلفزيوني هذا الأسبوع!
بين هذا وذاك، لم يكن الاتحاد العام التونسي للشغل مجانباً للصواب وهو يتحدث عن فجوة طبقية تزداد فداحة بين الأغنياء والفقراء في تونس المتعسرة. وما تقرير موقع «أندي 100» التابع لصحيفة «ذي إندبندنت» البريطانية في شهر أغسطس الماضي، عن حياة أبناء أثرياء تونس إلا دليل على ذلك.. لكن من الأحق باللوم؛ الغني الذي ازداد غنى أم الفقير الذي ازداد فقراً؟ وهو السؤال الذي يحوم حوله كل الجدل الذي أثارته تسريبات مشروع قانون المالية لسنة 2018.
يتناسى التونسيون أنهم عاشوا مثل هذه الظروف الاقتصادية الضنكة في سنة 1985، لكنهم تجاوزوها بأكثر عمل وبأقل جدل. ومع التذكير بأن ذلك التاريخ كان مقدمة مهمة لـ «التغيير المبارك» الذي قاده الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي في انقلاب قصر أبيض على الزعيم الحبيب بورقيبة، لكن الزمن غير الزمن والتاريخ لا يعيد نفسه مرتين، وإن حدث فالأولى ملهاة والثانية مأساة، كما يصفها الراحل الكبير محمد حسنين هيكل.
يتناسى التونسيون أيضاً أن في الخيال حياة، وأن الإبداع هو وليد الحاجة. من ذلك ما أذكره عندما كنت أجلس إلى الرجل – البحر، الراحل سالم بوميزة ذات سهرة غرقت بقواريرها في بداية التسعينات، وتساءل: «ماذا إذا تنازلت كل تلك الطاولات المكتظة بالساهرين الهزجين عن قارروة واحدة في كل سهرة؟ وماذا إذا ذهب ثمنها إلى المعوزين الذين تعطل بهم المصعد الاجتماعي لسبب أو لآخر؟»
التقطت الفكرة البازغة ونشرتها في افتتاحية جريدة «الشروق»، وما هي إلا أشهر معدودة حتى صدر القرار بإنشاء «صندوق التضامن الاجتماعي 26-26» من أرباح الأغنياء، فانشقت الطرقات في الجبال، واخضرت الفيافي، وارتفعت بنايات المستشفيات والمدارس، وعمّت المشاريع التنموية الصغرى في المناطق النائية، وعمت معها فرحة الحياة والأمل في مستقبل أفضل.
ولأن الماضي «كان خراباً.. خراباً.. خراباً»، تعطّل «صندوق التضامن الاجتماعي 26-26» بعد الثورة، وتكسّر جسر التضامن الاجتماعي؛ فمضى كلٌّ في طريق.. الأثرياء نحو ثراء الحق والباطل، والفقراء نحو بؤس الحق والباطل.
لقد تعطّلت إحدى تروس المصعد الاجتماعي بتعطّل الخيال.. فتعطلت «تونس الثورة»!;


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *