اعداد – زينب الخطيب
باحثة في مركز المعرفة الدولي
لندن
تواجه «قطر الخيرية» منذ سنوات اتهامات وانتقادات في تقارير وتحقيقات غربية بشأن دورها في تمويل مشروعات دينية وثقافية في أوروبا، وعلاقات بعض الجهات المستفيدة من هذه الأموال بشبكات مرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي. وتقول هذه التقارير إن التمويل القطري لم يقتصر على المساعدات الإنسانية، بل ساهم في بناء شبكة واسعة من المساجد والمراكز والمدارس والمؤسسات الإسلامية في عدد من الدول الأوروبية.
ويأتي في مقدمة هذه التحقيقات كتاب «أوراق قطر» للصحفيين الفرنسيين كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو، الذي استند، بحسب مؤلفيه، إلى وثائق وتحويلات مصرفية ومراسلات تتعلق بتمويل عشرات المشروعات في أوروبا. ويشير الكتاب إلى نحو 140 مشروعاً شملت مساجد ومراكز ومدارس ومؤسسات إسلامية، مع تركيز خاص على مشروعات مرتبطة بجمعيات قريبة من جماعة الإخوان المسلمين.
كما تناولت تقارير إعلامية أوروبية وأمريكية مسألة التمويل القطري لمؤسسات إسلامية في بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى، مشيرة إلى أن بعض الأموال وصلت إلى مؤسسات كان لها ارتباط بشخصيات أو شبكات مرتبطة بالإخوان المسلمين. وأثارت هذه الروابط نقاشاً حول ما إذا كان التمويل الخيري يمثل نشاطاً إنسانياً بحتاً، أم جزءاً من استراتيجية أوسع لبناء نفوذ ديني وسياسي داخل الجاليات المسلمة في أوروبا.
وتشير بعض الدراسات والوثائق البرلمانية البريطانية إلى أن «قطر الخيرية» موّلت أو شاركت في تمويل مشروعات لمساجد ومراكز إسلامية في بريطانيا وبلجيكا وأيرلندا وهولندا، بعضها ارتبط بشبكات توصف بأنها قريبة من جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا. كما تناولت هذه الوثائق مبادرة «غيث» التابعة لقطر الخيرية، والتي قيل إنها شاركت في دعم عشرات المشروعات الإسلامية في أوروبا.
ولا تقتصر المخاوف التي يطرحها منتقدو هذه الأنشطة على مصدر الأموال، وإنما تمتد إلى طبيعة المؤسسات المستفيدة والأفراد المرتبطين بها، وإلى احتمال استخدام التمويل الخارجي في بناء شبكات نفوذ أيديولوجية طويلة الأمد. ويرى منتقدون أن المشكلة لا تتمثل في تمويل المساجد أو تقديم المساعدات بحد ذاته، وإنما في احتمال تحول المؤسسات الخيرية والدينية إلى أدوات للتأثير السياسي أو ترسيخ خطاب الإسلام السياسي داخل المجتمعات الأوروبية.
كما حذرت أصوات سياسية وأمنية في أوروبا من أن التمويل الأجنبي غير الخاضع للرقابة الكافية يمكن أن يؤدي إلى تعزيز مؤسسات مغلقة على نفسها، بما قد يضعف اندماج بعض الجاليات المسلمة في المجتمعات الأوروبية. ولذلك أصبح مصدر تمويل المساجد والمراكز الإسلامية، والجهات التي تقف وراءها، وعلاقاتها الخارجية، موضوعاً متزايد الأهمية في النقاش الأوروبي حول الأمن والتماسك الاجتماعي.
الرأي الآخر
في المقابل، ترفض «قطر الخيرية» بصورة قاطعة اتهامات تمويل الإرهاب أو دعم جماعة الإخوان المسلمين، وتقول إن هذه الاتهامات تستند إلى حملات تشويه سياسية وإعلامية ضد مؤسسة إنسانية تعمل في عشرات الدول.
وتؤكد المنظمة أنها ليست مصنفة كمنظمة إرهابية من جانب الولايات المتحدة أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، وتنفي وجود أي ارتباط سياسي لها بجماعة الإخوان المسلمين. كما تقول إن التمويل الذي قدمته في أوروبا كان محدوداً، وذهب إلى مؤسسات مسجلة قانونياً، من بينها مساجد ومراكز ثقافية، وبعد عمليات تدقيق وامتثال مالي.
وتقول «قطر الخيرية» أيضاً إن جميع مشروعاتها تخضع لإجراءات للتحقق من الشركاء والمستفيدين، وإن لديها عشرات السياسات والإجراءات الخاصة بالامتثال وإدارة المخاطر، إلى جانب استخدام أنظمة فحص مالية وإجراء عمليات تدقيق مستقلة. وتضيف أن الأموال تمر عبر النظام المصرفي الرسمي والمنظم.
كما تستند المنظمة إلى نتائج دعاوى قضائية أقيمت في الولايات المتحدة ضدها، وتقول إن جميع القضايا المتعلقة باتهامات تمويل جماعات متطرفة انتهت بالرفض أو السحب، وإن إحدى القضايا شهدت سحب المدعين دعواهم بعد ظهور مشكلات تتعلق بالأدلة المقدمة. وترى قطر الخيرية أن هذه النتائج تؤكد عدم ثبوت الاتهامات الموجهة إليها.
وفي المقابل، يقول الصحفيان تشيسنو ومالبرونو إن تحقيقهما لا يساوي بين التمويل القطري والإرهاب، ولا يزعم أن كل مؤسسة تلقت أموالاً قطرية هي مؤسسة إرهابية. وقد شدد مالبرونو على أن القضية التي يناقشانها تتعلق بالنفوذ وانتشار الإسلام السياسي، وليس باتهام كل المشروعات الممولة بأنها غير قانونية أو إرهابية.
وهكذا يبقى الجدل الأساسي حول «قطر الخيرية» متمحوراً حول طبيعة النفوذ الذي يمكن أن ينتج عن التمويل الخارجي، وعلاقة بعض الجهات المستفيدة بشبكات الإسلام السياسي، ومدى كفاية آليات الرقابة والشفافية. وبينما يرى منتقدو الدوحة أن التمويل الخيري كان جزءاً من استراتيجية أوسع لبناء النفوذ القطري والإخواني في أوروبا، تؤكد قطر الخيرية أن نشاطها إنساني وقانوني، وأن الاتهامات الموجهة إليها تخلط بين العمل الإغاثي المشروع والنشاط السياسي الذي تنفي أي صلة لها به.









