فيصل البعطوط يكتب : “نساء تونس.. ونصف”

1 يناير 2018 - 2:44 م

تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد
نشر الكاتب والاعلامي التونسي فيصل البعطوط المقال التالي على اعمدة صحيفة “العرب” القطرية:

“ضجت تونس بنسائها قبل رجالها -ومازالت تضج- عند قرار عشوائي بألا تركب حرائرها على متن الخطوط الجوية الإماراتية، ذات فجائية غريبة عجيبة على اللاتي كن يمسكن بتذاكرهن وبتأشيراتهن أمام شباك السفر. فقد صدر الأمر العلي فجأة بصرف كل جنس الإناث من عمر «بيبي» الشهر الواحد إلى عجوز التسعين إلى بيوتهن، مع السماح لأزواجهن ولآبائهن ولإخوانهن بالسفر على متن تلك الطائرة اللعينة، ذات لحظة ألعن ممن أصدر القرار الاعتباطي. لذلك، رفض الجميع السفر، وقامت الدنيا ولم تقعد، عندما اختلط فيها المزاجي بالموضوعي.. من قائل بأن إرهابية تونسية كانت تتمنطق بحزامها المتفجر على متن الطائرة، إلى شارح الأمر بأنه تصفية حساب مع تونسية لم تُبق ولم تذر لأحد أسياد القوم هناك، مروراً بشائعة إيقاف 4 شيوخ من الإمارات كانوا يصطادون «الحبارة» في الصحراء الحرام. لكن وإلى يوم الناس هذا، لم يشهد أحد بحقيقة ما حدث في ذلك اليوم العجيب الغريب!
دعنا نحسن الظن بالإخوة في دولة الإمارات العربية الشقيقة، ودعنا نفترض أن معلومة أمنية عاجلة فرضت الأمر الواقع -وهو أمر وارد في هذا العالم العربي الإسلامي المتفجر أصلاً. لكن أما كان أجدر بالخطوط الجوية الإماراتية أن تتعامل مع الأمر بأكثر كياسة وبأقل عجرفة؟! أولاً، لأن الأمر بخطورته يتجاوز تعامل مجرد شركة طيران -كبر أم صغر شأنها التجاري- إلى تعامل دولة مع أخرى، وبالتالي فإن الحديث يصبح بين وزارتي داخلية وبين أجهزتهما الاستخباراتية، وليس بين شركة تجارية إماراتية وبين دولة تونسية تعيش تغييرات مفصلية منذ 2011، حيث لم يعد هناك من يحكم غير الشعب، وحيث لم يعد هناك حاكم يمكن أن يغطي على القرارات المزاجية الخارجية بالتعمية الإعلامية، بدليل أن دقائق فقط فصلت بين القرار الإماراتي وبين الفضيحة التي أصبحت «بجلاجل» من المشرق إلى المغرب.
معنى ذلك أن الإمارات العربية المتحدة لم تفهم جيداً ما حصل في تونس رغم مرور سبع سنوات على «14 يناير 2011»، ولم تع أن تونس قد تغيرت من أخمص القدمين إلى آخر شعرة في الرأس. ولها الحق في ذلك؛ فكثير من أبناء البلد ذاتهم لم يستوعبوا بعد ما حصل كما يجب!
لنفترض أيضاً أن «التهديد الإرهابي» للطائرة الإماراتية كان جدياً، فإن خمس دقائق من التفكير الأمني-السياسي السليم، ومن التشاور مع الطرف الثاني، كانت كفيلة باستبعاد الفضيحة، كأن يتفتق الفكر «الأمني-السياسي» مثلاً على فكرة أو كذبة عطب فني أصاب تلك الطائرة إلى أن يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود لدى اختصاصيي الأمن، بدون أن يتسرب الأمر إلى العموم، ليسقط القرار الإماراتي في درك التمييز الجنسي، وما أدراك ما تلك التهمة لدى نساء تونس وفي العالم المتحضر!
لقد كانت سقطة «الإمارتية» مدوية في أرجاء العالم الأربعة، بسبب غياب الكياسة والحكمة، وأيضاً بسبب سوء تقدير الموقف، عدا عن الجهل التام بتاريخ تونس المبنية أمجاده أساساً على النساء، من عليسة مقارعة الروم، إلى المليون امرأة التي أزاحت «الترويكا» من الحكم، مروراً بالكاهنة البربرية التي أحرقت الأخضر واليابس. ولو كان ذلك القرار اللعين شمل الرجال فقط؛ لما أحرز خُمس الضجة التي أحرزها عندما مس النساء التونسيات، اللاتي قال فيهن الشاعر الراحل محمد أولاد أحمد: «نساء بلادي نساء ونصف».. مع الاحترام الواجب لكل نساء العالم، اللاتي لولاهن لما كان هناك عالم من الأصل.;”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *