فيصل البعطوط يكتب :«مدن الملح»..

10 ديسمبر 2017 - 10:29 ص

تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد

نشر الاعلامي والكاتب التونسي فيصل البعطوط مقالا تحت عنوان «مدن الملح»..على اعمدة صحيفة “العرب” القطرية..هذا نصه:

 

قبل أسبوع بالعد، كنت أتحدث في هذا الموقع عن التعسر الديمقراطي في تونس، تحت عنوان «ساق في الجاهلية وساق في الكونكورد»، وأنهيت المقال بفقرة تقول بالحرف: «ليس الحال أفضل في ليبيا ولا في اليمن ولا في سوريا.. بل على امتداد الخارطة العربية من الماء إلى الماء، حيث تتناسل القصص الحزينة كل يوم، وآخرها فضيحة عودة الرق والرقيق إلى عادات وتقاليد القوم الذين لا يُوجد لهم وصف أبلغ مما قاله فيهم نزار قباني: «ساق في الجاهلية.. وساق في الكونكورد»، فكأن مكر الأيام كان يقرأ، ليعاجلنا في ظرف أسبوع واحد بقصتين حزينتين أخريين!
أولاهما وهي الأكثر إيلاماً، كانت إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب القدس عاصمة لإسرائيل. توقيعاً للأمر النائم في أدراج رؤساء أميركا على مدى عقدين، في تناغم لافت مع وعوده الانتخابية، وفي تحدٍّ غير مسبوق للعالم العربي الإسلامي.
ترى ما الذي دفع بالرئيس ترمب إلى فعل ما تجنبه منه سابقوه من أسياد البيت الأبيض؟! لا أجد جواباً أفضل من تغريدة مذيعة الـ «أم.بي.سي»، علا فارس، والتي طُردت بسببها: «ترمب لم يختر توقيت إعلان القدس عاصمة إسرائيل عبثاً؛ فبعد زيارته لنا، تأكد أن العرب سيدينون الاعتراف الليلة، ويغنون غداً: هلا بالخميس!».
فقبل أن يكون الرجل سياسياً، كان دونالد ترمب تاجراً أميركيا «شاطراً»، يعرف جيداً من أين ومتى تُؤكل الكتف. ومن السفاهة ومن حماقة ردم الرأس في الرمل لومه، وهو الذي اتخذ قراره عن رؤية وبعد التشاور مع عواصم القرار العربي التي أصبحت معلومة لدى الجميع. إذن، هل يحق لومه أم لوم من عليه يقع اللوم؟!
ثانية القصص الحزينة، ما حدث للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وما يمكن أن تبعثه مقاطع فيديو اغتياله بعد إنزاله من سيارته ثم الرقص بجثته الملفوفة بخرقة، مع رفع العقيرة بالشهادتين، من رسائل للخارج عن مرتبة العرب في سلّم المدنية، حيث لا قانون ولا دولة ولا مؤسسات، بل شرع الغاب، وحكم المتوحشين على المتوحشين!
ليس الأمر مع من تقف سياسياً أو عسكرياً في هذه البقعة الملطخة منذ تاريخها بالدم وبالمؤامرات في غرف الحكم المظلمة، وإنما مربط الفرس يكمن في مدى هضم المعدة العربية لمدنية الإنسان التي قطعت أشواطاً منذ العصر الحجري والقوم نائمون في العسل. ففي القرن الواحد والعشرين، وفي الوقت الذي تخطط فيه الأمم للسيارات الطائرة، ولزرع رأس كامل في جسم الإنسان، ما زال هناك في «مدن الملح» من يصفّي حساباته السياسية بالسيف نفسه الذي اغتال به أبو لؤلؤة فيروز الفارسي عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه وهو يؤم الناس في صلاة الفجر!
إن الانتماء إلى الحضارة الإنسانية المعاصرة استحقاق عربي مستعجل؛ لكي لا يستحق العرب على الدوام الصفة التي أطلقها عليهم تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة «الحفرة السوداء»، ولكي لا تضيع بقية «مدن الملح» كما ضاعت القدس.;

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *