فيصل البعطوط يكتب : لمن تتجملين يا زوجة الأعمى..؟!

1 أكتوبر 2017 - 10:01 ص
تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد
نشر الاعلامي والكاتب التونسي فيصل البعطوط المقال التالي على اعمدة صحيفة “العرب” القطرية: “أفرغ المعهد الجمهوري الأميركي الدولي (فرع تونس) سطلاً من الماء المثلج على الطبقة السياسية التونسية، عندما نشر نتائج أحدث سبرآراء أجراه في شهر أغسطس الماضي، والذي خلص إلى أن 83 % من المستجوبين ينوون مقاطعة الانتخابات البلدية المقبلة في حال إنجازها..
وأن كلاً من حزبي «نداء تونس» وحركة «النهضة» يتصدران نوايا التصويت، بحصولهما على 3 % لا أكثر ولا أقل..!
رقمان مفزعان بلا شك، يقولان بوضوح شديد إن الأغلبية الساحقة من الشعب التونسي تقاطع العمل السياسي للأحزاب الموجودة على الساحة، وتعرض عنها.. وأن الحزبين اللذين يعتقدان أنهما «الأكبران»، واللذين يقودان البلاد منذ انتخابات 2014 لا يحظيان إلا برضا 3 % من الناخبين..
وهو من أسوأ ما يمكن أن يحدث لسياسيين يعرقون في القفز بين بلاتوهات التلفازات والإذاعات…
فكأنهم يصرخون في واد غير ذي زرع…
ومعنى ذلك أيضاً، أن الصراخ أمام المصادح وفي التلفزيونات، وحتى تجييش فيالق الإنترنت لم يعد الوسيلة الفضلى لكسب تعاطف الرأي العام، وإنما المنجز على الأرض، والداخل إلى جيوب الناس هو خير وأبقى…
فإذا كان لديمقراطية الصوت العالي والصوت الأعلى المعاكس من نتيجة تذكر، فهي تحطيم الصورة الجماعية للطبقة السياسية التي انفض سامرها ونامت لياليها…
وذلك يطرح السؤال المرتد منذ سبع سنوات، إن كانت الديمقراطية وحرية التعبير بلا حد، تليق بمقاس المجتمعات العربية، وتحديداً بطبقاتها السياسية التي أمضت عمراً في النواح عليها، وعندما جاءتها هدية من السماء أضاعتها كما تسيل الفرص من بين أصابع البله!…
لا يزال ينظر إلى النموذج التونسي في الخارج على أنه الخطاف الوحيد في «الربيع العربي»… لكن الأمر لم يستتب له، بل لا يزال بعيداً عن المأمول في منطقة مفتوحة جغراسياستها على كل الاحتمالات، بما في ذلك الفوضى العارمة التي –إن عادت- ستجرف الجميع نحو مصير ما تحت الساحل والصحراء.. وما زال بندول الساعة التونسية مضطرباً بين تطرف وآخر بلا معرفة من الطبقة التونسية الجديدة بتاريخ البلاد الوسطي، رغم الالتحاق البطيء بتلك الحقيقة السرمدية التي يعادل عنادها نتيجة من يعاند قوانين الطبيعة..
فلقد عانت تونس كثيراً تحت حكم «الترويكا» الذي كان أقرب إلى ممارسة الهواية والغواية السياسية منه إلى ممارسة السياسة، وكادت منجزات عشرات السنوات من الدولة الحديثة أن تذهب هباء منثوراً لولا هبّة الشعب وبقية حياء لدى حكام السنوات الأولى لما بعد «الثورة»، لكن الدولة التونسية التي أوشكت على الانهيار التام زمنها، لا تزال تبحث عن توازنها المفقود، ولم تحرز ما وعد به «المنقذون» في سنة 2014، بسبب عدة إخلالات بدءاً من نخبة حاكمة يعوز أغلبها النضج المطلوب لإدارة دولة عمرها أكثر من 3 آلاف سنة، وصولاً إلى إشاعة جدل بيزنطي حول جنس الملائكة بين العامة وهم يغرقون في المشاكل اليومية.. ومروراً بثورة ثقافية معطلة تماماً، لم تجد لها رافعاً رغم بعض النوايا الطيبة أحياناً…
لذلك كان حصاد سنوات «الربيع التونسي» 83 % مقاطعة، و3 % مساندة للحزبين الحاكمين بغير ما تشاء تونس العميقة، عدا الأصفار التي أحرزها أكثر من مائتي حزب ينفش أصحابها ريشهم، ففضحهم التقرير الأميركي وما أدراك ما توابعه.. وهو ما يدعوهم إلى استذكار المثل التونسي الدارج «لشكون تحرقص يا مرت الأعمى؟» (لمن تتجملين يا زوجة الأعمى؟) ثم التواضع والجلوس دون مرتبة الشعب”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *