فيصل البعطوط يكتب :عناقيد جانفي الخاوية..

7 يناير 2018 - 12:57 م
تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد
نشر الكاتب والاعلامي التونسي فيصل البعطوط مقالا على اعمدة صحيفة العرب الفطرية تحت عنوان “عناقيد جانفي الخاوية”..جاء كما يلي:
ليس هناك أفضل من الشهر البارد (جانفي/ يناير) لإشعال المواقد السياسية والاجتماعية في تونس. هكذا يعتقد أغلب التونسيين، بمن فيهم السياسيون في السلطة وفي المعارضة، فلا يجدون أفضل من هذا الشهر لشحذ السكاكين، وللتحريض على إسقاط الحكومات.
فليس من باب الصدفة وحدها أن يكون تاريخ 18 جانفي من سنة 1952 هو يوم انفجار الثورة التونسية في وجه المستعمر الفرنسي، حتى أصبح بعد الاستقلال عيداً وطنياً رسمياً بمسمى «عيد الثورة».. ومنه إلى 14 جانفي 2011 يوم سقط نظام بن علي، وأصبح الكثيرون يسمونه أيضاً بـ «عيد الثورة».. مروراً بأحداث جانفي الدامية في سنة 1984 عندما ترنح نظام بورقيبة بسبب «ثورة الخبز». أحداث ومنعرجات تاريخية تضغط بقوة على المخيال الشعبي والسياسي التونسي، لتجعل من هذا الشهر طالع شؤم تتطير منه الحكومات، وفألاً حسناً تتبرك به المعارضات. ولذلك، اختار الرئيس المؤقت السابق والمعارض الحالي المنصف المرزوقي يوم 27 جانفي المقبل لحشد أنصاره أمام البرلمان، واختار اليسار المعارض منتصف الشهر ذاته لتحريك الجماهير الشعبية ضد قرارات الحكومة «اللاشعبية». ولذلك أيضاً، تواعد الرئيس الباجي قائد السبسي مع مكونات الموقعين على «وثيقة قرطاج»، الذين التقاهم يوم الجمعة الماضي للقاء جديد قبل نهاية الشهر ذاته!
في جانفي، يُكرم الحكم في تونس أو يُهان، كما في أي امتحان. وكل مؤشرات جانفي الجديد تتجه إلى التصعيد في كل شيء، من صعود صاروخ الأسعار نتيجة الموازنة الجديدة القاسية، إلى تصعيد شتى المعارضات لحراكها على متن ذلك الصاروخ ملوحة بالشارع المائج، إلى إبراز الحكومة لعضلاتها عبر حضور أمني لافت.
إلا أن ما يغيب عن الجميع أن جانفي سنة 2011 أنهى أسطورة الشهر الخطير، حتى وإن فاقت محاذيره وانزلاقاته سنوات 1952 و1984 و2011؛ لأنه أتى بالديمقراطية على متنه، ليصبح كل مهووس بالشهر مجرد مغامر يريد الانقلاب على نظام ديمقراطي طلع إلى سدة الحكم بواسطة آليات الديمقراطية التي تتيح للأغلبية الحاكمة أن تفعل ما تشاء، حتى إذا كان ما تشاؤه قانون موازنة مالية حاملاً لزيادات قاسية في الأسعار وفي الجباية، لا رد عليه وعلى سواه من مزالق الحكومة قبل 2019، موعد الذهاب إلى صناديق الاقتراع، وإقناع الشارع بمعاقبة الحكام وإنزالهم من كراسيهم بقوة الديمقراطية ولا بغيرها.
لقد تغيرت الدنيا كثيراً في تونس، ولم يعد هناك عاقل يجرؤ على استخدام اتهامات القمع والديكتاتورية أو الاستبداد، لكن بعض الفاعلين في الساحة السياسية لا يدركون عمق التغيير الحاصل، بدليل أنهم عادوا إلى توزيع المناشير السرية في الشوارع، كما كان يحدث أيام الاستعمار الفرنسي وأيام الحكم «اللاديمقراطي»، متناسين الحقيقة السالفة، وأقلها حقيقة أن مواقع التواصل الاجتماعي المتاحة للجميع اليوم بلا استثناء قد عوضت ممارسة توزيع المناشير السرية كعادة نضالية عتيقة، أكل عليها «فيس بوك» وشرب! لذلك، فإن جانفي 2018 الذي تتطير منه منظومة الحكم، والذي تتفاءل به المعارضات بصنوفها أملاً في افتكاك كراسي الحكم، لم يعد بالضرورة «جانفي الأسود»؛ لأن كل شهور السنة في تونس أصبحت متشابهة في سوادها لدى هذا الفريق، وفي بياضها لدى الفريق المقابل، بدليل أن منظومات الحكم منذ 2011 (وبعضها في المعارضة الشرسة اليوم) لم تفعل شيئاً من يومها إلا التجند على مدار السنة لإطفاء حرائق الأزمات اليومية، كما أن المعارضات (وبعضها في الحكم المتعسر اليوم) لم تفعل شيئاً سوى استهلاك عناقيد الأمل الخاوي. أما الشعب الكريم، فلا يعرف على أي ساق يرقص، وما إذا كان قد فعل خيراً أم شراً عندما فضّل الرقص مع الذئاب بدلاً عن الرقص مع أبناء آوى!;

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *