فيصل البعطوط يكتب : تونس وبيزنطة.. الحال من بعضه!

12 نوفمبر 2017 - 8:12 م

تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد
نشر الكاتب والاعلامي التونسي فيصل البعطوط المقال التالي على اعمدة صحيفة “العرب” القطرية:

آخر الأخبار السيئة في تونس أعلن عنها المعهد الوطني للإحصاء يوم الجمعة الماضي، ومفادها ارتفاع العجز التجاري بـ 23.5 % في الأشهر العشرة الأولى، واصفاً هذا العجز بأنه «بلغ مستوى قياسياً، وصل إلى 13.210 مليار دينار (5.28 مليار دولار)».. وقبله كان محافظ المصرف المركزي التونسي يصف نفس المؤشر بأنه «تاريخي» من ناحية سوئه طبعاً.. لكن يبدو أن السياسيين في تونس لا يهمهم أمر غرق البلاد في ديون تاريخية، ولا أمر «العجز التاريخي»، ولا جيب المواطن المخروم.. وهم يمضون في صراع وجدل لا ينتهيان، وآخر مظاهره الإعلان عن «جبهة برلمانية وسطية وحداثية وتقدمية» جديدة أخذت من كل حزب بطرف، وجمعت 43 نائباً حتى الآن «لإعادة التوازن إلى الحياة السياسية»، كما أعلن أصحاب المبادرة..
هذا الإعلان فجع سياسيين آخرين، فهبوا للصياح والولولة بأنها ليست سوى «جبهة انقلابية» على منظومة حكم حزبي «النهضة» و «نداء تونس»، ولمزيد توريط أصحابها قالوا إن ما يحدث «هو انقلاب على سياسة رئيس الدولة الباجي قائد السبسي»، بما أن المبادرة تقوم على «سرقة» نواب من «النداء» وآخرين من كتل برلمانية مختلفة ستفضي في الأخير إلى مزيد من شرذمة المشرذم وتجزيء المجزأ..
في الأمر بعض الصحة، باعتبار أن حركة «النهضة» غير معنية بهذا التسرب النيابي من كتلتها البرلمانية، لأن من وراء «الجبهة البرلمانية» الجديدة لا يعتبرونها وسطية ولا حداثية ولا تقدمية، وبالتالي فإنها ستحافظ على ريادة الحكم في البرلمان فيما سيتناقص عدد كتلة نواب «نداء تونس» الذي يبدو الخاسر الأكبر من هذه العملية، إلا أنه من المغالاة الحديث عن «انقلاب» على رؤية الرئيس الباجي قائد السبسي للحكم.. وحتى وإن سلمنا بذلك جدلاً، فإنه سيكون «انقلاباً ديمقراطياً»، وهو أمر مسموح به في نظام يفاخر بأنه أرسى الديمقراطية في المنطقة!
إذاً لا بد من البحث عن سبب آخر لهذه الهبة والهبة المضادة.. وليس هناك أقرب من فرضية الصراع على الكراسي التي تحتد أكثر كلما اقترب الاستحقاق الانتخابي الرئاسي والتشريعي لسنة 2019، في حين أن أحداً من الضفتين المتقابلتين لا يستطيع أن يضمن وصول تونس إلى ذلك التاريخ الذي يرونه قريباً، ويراه الشعب بعيداً لما ينوء به ظهره وظهر البلاد من أحمال قد تؤجج الموقف الاجتماعي في أية لحظة، وتحرم المتسابقين من لذة الفوز بالكعكة التي لن يكون هناك وجود لأثرها أصلاً بعد ذلك.
في القرن الخامس عشر الميلادي، وعندما حاصر السلطان العثماني محمد الثاني (محمد الفاتح) القسطنطينية، وبينما كان مصير الإمبراطورية بأكملها على المحك، كان مجلس شيوخ المدينة مشغولاً بمناقشة أمور فقهية ولاهوتية لا طائل من ورائها، مثل جنس الملائكة (أهم من الذكور أم من الإناث؟)، وحجم إبليس (هل هو كبير بحيث لا يسعه أي مكان، أم صغير بحيث يمكنه العبور من ثقب إبرة؟)، وبينما كان الجدل محتدماً في قاعة مجلس الشيوخ، كان القتال يدور في شوارع بيزنطة، بعد أن تمكن جنود محمد الثاني من اقتحام أسوارها.. واستطاع العثمانيون السيطرة على المدينة، فقضى الإمبراطور قسطنطين الحادي عشر نحبه على أسوارها، ولقب السلطان العثماني بالفاتح!
وكل حديث عن تشابه بين وقائع التاريخ وما قد يحدث في الحاضر هو «جدل بيزنطي» غير حقيق بالنظر إليه.

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *