فيصل البعطوط يكتب : “الراعي والذئب على قلب واحد!”..

10 سبتمبر 2017 - 10:42 ص

تونس-الاخبارية-وطنية-اراء-رصد

نشر الاعلامي والكاتب التونسي فيصل البعطوط المقال التالي على اعمدة صحيفة “العرب” القطرية:

تزلزلت الأرض هذا الأسبوع تحت أقدام المهتمين بالسياسة في تونس –خاصة وعامة- عندما قال رئيس الدولة الباجي قائد السبسي في لقاء صحافي بالحرف: «أردنا جلب (النهضة) إلى خانة المدنية، لكن يبدو أننا أخطانا التقييم».. فقد فهم القوم أن الباجي قائد السبسي أعلن بذلك «البيان رقم 1»، وانقلب على حليفته في الحكم حركة النهضة ذات التوجه الإسلامي.
لنبدأ إعادة قراءة جملة فخامة الرئيس على مستوى الشكل أولاً، فقد استخدم مفردة «يبدو»، وفيها الكثير من الشك في اتجاهين: في اتجاه من لم يكلّوا أو يملّوا من سؤاله –استنكارياً-: «لماذا هذا الزواج الهجين بين الإسلاميين والعلمانيين في تونس؟»، وفي اتجاه الإسلاميين أنفسهم، لاستحثاثهم على بذل جهد أوفر من أجل الاندماج في المجتمع التونسي، مثلما وعد شيخهم راشد الغنوشي.
أما من ناحية عمق التصريح الرئاسي الجلل، فلم يعد يخفى على أحد أن «الشيخين» -الباجي قائد السبسي، وراشد الغنوشي- يتناكفان ويتغامزان منذ أكثر من شهر، وتحديداً منذ عاب الرئيس على حليفه استحثاث الانتخابات الرئاسية المقررة لسنة 2019، ووصفه بـ «المتسرّع»، ثم عاد إليه بقميص الترجي الرياضي التونسي حاملاً لرقم 2019، فقابله الشيخ الغنوشي بقميص فريق رياضي آخر يحمل رقم 12، في حوار صامت يقول لسانه: «إن كانت دولة الترجي معك، فمعي اللاعب رقم 12؛ أي الجمهور؛ أي الشعب»، فعاجله السبسي بمقترح المساواة في الإرث وحق التونسية المسلمة في الزواج من غير المسلم، فردّ الغنوشي بمقترح إعادة قانون الأوقاف الذي جلبه بورقيبة منذ أواخر خمسينيات القرن الماضي.. إلى أن وصل الأمر إلى «أخطأنا التقييم».
في هذه المرة، لم يكن رد الغنوشي مناكفاً.. فقد أصدر بياناً على الفور، يؤكد فيه على تمسك حركته بـ «سياسة التوافق» مع حزب الرئيس «نداء تونس»، وأثنى فيه على «حكمة الرئيس». وفي اليوم نفسه، كان التحوير الوزاري الذي احتفظت فيه «النهضة» بكامل وزرائها في الحكومة، رغم أن التحوير لامس 13 حقيبة وزارية، فيما كان شرط «النهضة» ألا يتجاوز سد 3 شواغر وزارية؛ أي أن السماء لا تزال صافية، والعصافير لا تزال تزقزق، والتوافق المهتز كلامياً استمر على أرض الواقع.
لا شك أن حركة النهضة التونسية لا تعيش أفضل أوقاتها –محلياً وإقليمياً ودولياً- لكنها تعلم أن مَن سَرَّهُ زمنٌ ساءته أزمان. ومن ذلك، فهي تعرف كيف تنحني للعاصفة، تماماً كما انحنت أمام فورة الرئيس قائد السبسي الذي يعلم الشيء نفسه. وفي تونس مثل دارج يقول: «اللي في قلب الذيب في قلب السارح (الراعي)». هكذا هي السياسة، مخاتلة مستدامة، وكرّ وفرّ، يخالهما الرائي زلزالاً، وإنما شُبّه له. وما يحدث فيها من لعب تحت الطاولات أكثر وأخطر بكثير من المرئي فوقها. وهو تماماً ما يحدث في تونس اليوم. أما غداً، فيوم آخر.;

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *